الشيخ محمد علي طه الدرة
188
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
مؤكّدة لسابقتها . ( كانُوا يَعْتَدُونَ ) : إعرابها مثل إعراب : ( كانُوا يَكْفُرُونَ ) وهي معطوفة على سابقتها ، تؤول مثلها بمصدر بسبب العطف ، التقدير : ذلك بسبب عصيانهم ، وبسبب اعتدائهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الشرح : لمّا بين اللّه تعالى حال من خالف أوامره ، وارتكب زواجره ، وتعدّى في فعل ما لا إذن فيه ، وانتهك المحارم ، وما أحلّ به من النّكال ؛ فبيّن تعالى على أن من أحسن من الأمم السّالفة ، وأطاع فإنّ له جزاء الحسنى ، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة ، كلّ من اتّبع الرسول النبيّ الأميّ ؛ فله السّعادة الأبديّة ، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه ، كما قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الآية رقم [ 62 ] من سورة ( يونس ) على نبيّنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام . وعن مجاهد قال : قال سلمان الفارسي - رضي اللّه عنه - : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن أهل دين كنت معهم ، فذكرت من صلاتهم ، وعبادتهم ، فنزلت : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا . وقال السّدي : نزلت في أصحاب سلمان الفارسي ، بينما هو يحدث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ ذكر أصحابه : فأخبره خبرهم ، فقال : كانوا يصلّون ، ويصومون ، ويؤمنون بك ، ويشهدون : أنّك ستبعث نبيّا . فلما فرغ سلمان الفارسي من ثنائه عليهم ؛ قال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا سلمان ! هم من أهل النار » . فاشتد ذلك على سلمان ، فأنزل اللّه هذه الآية . فكان إيمان اليهود : أنّه من تمسك بالتوراة ، وسنّة موسى - عليه السّلام - حتى جاء عيسى ، فلمّا جاء عيسى كان من تمسّك بالتوراة وأخذ بسنة موسى ، فلم يدعها ، ولم يتبع عيسى ؛ كان هالكا . وإيمان النصارى : أنّ من تمسك بالإنجيل منهم ، وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمن لم يتّبع محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم منهم ، ويدع ما كان عليه من سنّة عيسى ، والإنجيل ، كان هالكا . انتهى . ابن كثير . وما يشبهه في أسباب النّزول للسّيوطي . ثمّ قال ابن كثير : وهذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا الآية ، قال : فأنزل اللّه تعالى بعد ذلك وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الآية رقم [ 85 ] من سورة ( آل عمران ) ، فإنّ هذا الذي قاله ابن عباس - رضي اللّه عنهما - إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ، ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن بعثه به ، فأمّا قبل ذلك ، فكلّ من اتّبع الرّسول في زمانه ، فهو على هدى ، وسبيل ، ونجاة . وهذا هو الحق .